ابن حزم

503

الاحكام

لين العيش يميل إلى الترفيه ، ومنهم مائل إلى الخشونة مجنح إلى الشدة ، ومنهم معتدل في كل ذلك إلى التوسط ، ومنهم شديد الغضب يميل إلى شدة الانكار ، ومنهم حليم يميل إلى الاغضاء ، ومن المحال اتفاق هؤلاء كلهم على إيجاب حكم برأيهم أصلا ، لاختلاف دعاويهم ومذاهبهم فيما ذكرنا ، وإنما يجمع ذو الطبائع المختلفة على ما استووا فيه من الادراك بحواسهم ، وعلموه ببدائة عقولهم فقط ، وليست أحكام الشريعة من هذين القسمين فبطل أن يصح فيها إجماع على غير توقيف ، وهذا برهان قاطع ضروري . وأما الاجماع على القياس ، فيبطل من قرب ، لأنهم لم يجمعوا على صحة القياس ، فكيف يجمعون على ما لم يجمعوا عليه . قال أبو محمد : فاعترض فيها بعض المخالفين فقال : قد اختلف الناس في القول بخبر الواحد ، وقد أجمع على بعض ما جاء به خبر الواحد . قال أبو محمد : وهذا باطل ومخرقة ضعيفة ، لان المسلمين لم يختلفوا قط في وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما اختلفوا في الطريق المؤدية إليه صلى الله عليه وسلم والذين لا يقولون بخبر الواحد . ثم أجمعوا على حكم ما جاء من أخبار الآحاد - فإنهم يقولون : إنما قلنا به لأنه نقل كافة ، لا لأنه خبر واحد . فإن قلتم : إن من القياس ما يوافق النص ، قلنا لكم : المتبع حينئذ إنما هو النص ولا نبالي وافقه القياس أو خالفه ، فلم نتبع القياس قط وافق النص أو خالفه ، وكذلك لا يجوز الاجماع على قول إنسان دون النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا أحد بعده إلا وقد خالفه طوائف من المسلمين في كثير من قوله . وأيضا فإن كان من بعده عليه السلام فممكن أن يصيب وأن يخطئ ، فاتباع خطأ من أخطأ باطل وأما صواب المصيب في الدين ، فإنما هو باتباع النص ، فالنص هو المتبع حينئذ لا قول الذي اتبع النص ، وإنما يجب اتباع النص سواء وافقه الموافق أو خالفه المخالف . وأيضا فإنه يقال لمن أجاز الاجماع على غير نص من قرآن أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أخبرونا عما جوزتم من الاجماع - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير نص ، هل يخلو من أربعة أوجه لا خامس لها ؟ إما أن يجمعوا على تحريم شئ مات صلى الله عليه وسلم ولم يحرمه ، أو على تحليل شئ مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حرمه ، أو على إيجاب فرض مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوجبه أو على إسقاط فرض مات